كريم نجيب الأغر

302

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ومن الجدير بالذكر أن لفظ « خلق » هو لفظ عام وضع وضعا واحدا ، وهو دال على كثيرين ، يستغرق كل ما خلق اللّه « 1 » ، والدليل على ذلك ما ورد في كتاب اللّه : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 ) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) [ لقمان : 10 - 11 ] ، فلفظ « خلق » شمل كل المخلوقات التي خلقها اللّه عزّ وجلّ من سماوات وأرض ودواب ونباتات ، غير أن كلمة « هذا » قصرت العام إلى ما ذكرته الآية . قال ابن كثير « 2 » في تفسيره للآية : « أي هذا الذي ذكره تعالى من خلق السماوات والأرض وما بينهما صادر عن فعل اللّه وخلقه وتقديره . . . » . وقياسا على الآية ، فإن كلمة « خلق » التي جاءت في الحديث « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما . . . » [ أخرجه مسلم ح 43 ] ، تشمل كل ما خلقه اللّه تعالى مقرونا بالجنين ، فهي تدل على جميع الأعضاء التي سوف تتخلق لدى الجنين . وفعل « جمع » يعني : جمع الشيء عن تفرقة « 3 » ، جاء في مختار الصحاح : باب الجيم : « ج م ع : جمع الشيء المتفرق فاجتمع » « 4 » . وقال ابن حجر « 5 » : « والمراد بالجمع ضم [ الشيء ] بعضه إلى بعض بعد الانتشار » . ومن الحديث الذي سبق ومن معنى كلمة « جمع » نفهم أن « جمع خلق الجنين » يشير إلى أن أعضاء الجنين في مراحلها الأولى كانت مفرّقة ، وبالفعل ، فبعد مرحلة « جمع خلايا الجنين » تشهد خلايا القرص الجنيني تكاثرا هائلا وسريعا في اتجاهات متفرقة كما رأينا في مبحث « الذّنب » ، ومن ثمّ تجتمع وتتمايز تلك الخلايا خلال فترة « العلقة » ، ومن ثمّ تهاجر وتجتمع ضمن أعضاء مختلفة في فترة « المضغة » وما بعدها « 6 » . فكما أن الحديث : « . . . فإذا كان يوم السابع ، جمعه اللّه تعالى . . . » يشير إلى

--> ( 1 ) د . إبراهيم السلقيني ، أصول الفقه الإسلامي ، الفصل الخامس : التقسيم الرابع باعتبار وضع اللفظ للمعنى ، المبحث الثاني : العام ، ص 279 - 280 ، ( انظر مبحث « الماء والمني » ) . ( 2 ) تفسير ابن كثير - ( ج 3 / ص 443 ) . ( 3 ) لسان العرب لابن منظور مادة « جمع » - ( ج 2 / ص 355 ) . ( 4 ) مختار الصحاح ، باب الجيم ، ص 110 . ( 5 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري - كتاب القدر - رقم الحديث 6594 - ( ج 11 / ص 479 ) . ( 6 ) انظر مبحث « التسوية » قسم « خلق العظام والكساء باللحم » .